حبيب الله الهاشمي الخوئي

124

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والرفعة علا ذكركم ورفع قدركم ، شبّه عليه السّلام العلياء بالنّاقة وأثبت لها سنامها تخييلا ورشّح ذلك بذكر التّسنّم الذي هو ركوب السّنام ( وبنا انفجرتم ) أو أفجرتم ( عن السّرار ) أي انفجرتم انفجار العين من الأرض ، أو دخلتم في الفجر ، أو صرتم ذوى فجر منتقلين عن السّرار ، واستعار عليه السّلام لفظ السّرار لما كانوا فيه من ليل الجهل وخمول الذّكر في الجاهلية وغيرها ، ولفظ الانفجار عنه لخروجهم من ذلك إلى نور الإسلام واستضاءتهم بضياء صباح وجودهم عليهم السّلام كما قال عزّ من قائل : * ( » وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ « ) * قال أمير المؤمنين عليه السّلام لابن الكوّا حين سأله عن ذلك : يعني ظلمة الليل وهذا ضربه اللَّه مثلا لمن ادّعى الولاية لنفسه وعدل عن ولاة الأمر قال : فقوله والصّبح إذا تنفّس قال : يعني بذلك الأوصياء يقول : إنّ علمهم أنور وأبين من الصّبح إذا تنفس هذا . ولمّا ذكر فضله عليهم بكونه عليه السّلام سبب هدايتهم وعلة لعلوّ مقامهم وسموّ مكانهم وجهة لشرافتهم ورفعة قدرهم وداعيا لصيرورتهم من ظلمة الغواية والضلالة إلى فجر الهداية والرّشاد مع مقابلتهم كلّ ذلك بالنّفاق والنّفار والعتوّ والاستكبار ، أردف ذلك بالدّعاء عليهم بقوله ( وقر سمع لم يفقه الواعية ) إشارة إلى أنّهم كيف لم يفقهوا بيانه بعد ما بيّنه ولم يقبلوه بعد ما سمعوه ولم يطيعوه بعد ما فهموه وجهلوا قدره بعد ما عرفوه . قال البحراني : وهذا كما يقول أحد العلماء لبعض تلاميذه المعاند له المدّعي لمثل فضيلته : إنّك بي اهتديت من الجهل وعلا قدرك في النّاس وأنا سبب لشرفك أفتكبّر عليّ وقر سمعك لم لا تفقه قولي وتقبله هذا ، وعلى ما ذكرناه من كون الواعية بمعنى الصّوت يكون معنى كلامه عليه السّلام ثقل سمع لم يفقه الصّوت بعد ما سمعه ، وعلى قراءة وقر بصيغة المجهول يكون المعنى أثقل اللَّه سمعا لم يفقه الصّراخ ، وعلى ذلك فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض شارحي كلامه عليه السّلام تارة بجعل الواعية صفة لمحذوف مع حذف مفعول لم يفقه أي وقر سمع لم يفقه صاحبه بإذنه الواعية علم الشّريعة ،